أنا وانت والبرادعي والتغيير: تلقيمة جديدة


قبل الدخول في هذه التلقيمة ( التلقيمة هي البوست بلغة هذا البلوج للزوار الجدد) أود الاشارة الى بعض التنويهات الضرورية:

1) كنت قد بدأت في كتابة تلقيمة ثانية بعنوان التعذيب والصراع الطبقي في مصر. لكنني كنت مأخوذا كأخرين بسؤال التغيير في مصر بسبب تطورات الأسبوع الماضي بظهور البرادعي. ولذلك قررت تخصيص هذه التلقيمة لموضوع البرادعي. ولمن لم يقرأ التلقيمة الافتتاحية، لقد ذكرت فيها ان هذه المدونة سوف تركز على قضايا القانون وحقوق الانسان وعلاقتهما بالدكتاتورية والامبريالية. وربما يرى البعض ان هذه التلقيمة تعد خروجاً عن الاهتمام الأساسي للمدونة ، خاصة مع تركيز هذه التلقيمة على موضوع البرادعي. لكن قضايا الإصلاح الدستوري والتغيير في مصر والتي زادت بظهور البرادعي هي جزء أساسي من اهتمام هذه المدونة.

2) نشأت فكرة هذه التلقيمة على تويتر. لقد تابعت في الفترة الماضية الكثير من الحوارات الثرية التي قام بها الكثير من الاصدقاء والرفاق والنشطاء والبلوجرز على تويتر. من هؤلاء على سبيل المثال وليس الحصر وبدون ترتيب: نوارة نجم، وائل خليل، تامر موافي، عمر الهادي، مينا زكري، محمد واكد، محمد مرعي وأخرين ( وأعتذر مبدئياً عن عدم استطاعتي عمل لينك لمدوناتهم والسبب الأساسي جهلي التكنولوجي، فأنا مستحدث مدونات). ورأيت انه من المفيد ان أحاول تلخيص بعض هذه النقاشات. ولقد سمحت لنفسي بالاشتباك مع هذه الحوارات هنا. وأنا لا أدعي ان هذه التلقيمة تمثل تلخيص شامل لكل هذه الحوارات ولا للنقاش حول موضوع البرادعي. ولا أنسب هذه القراءة لهؤلاء الأصدقاء والنشطاء. وربما تكون النقاط التالية ليست افضل صورة لتلخيص هذه الحوارات. لكنني أأمل ان يكون هذا الملخص\ الاشتباك ــ على حاله ـ به بعض الفائدة للمهتمين بقضية التغيير في مصر.

3) ربما يختلف بعض الأصدقاء والرفاق معي في تقديري لبعض الأمور، وخصوصاً عدم اغراقي في التفاؤل (كما أنني غائب عن أرض الوطن فيزيقياً. عزائي ان مصر والغلابة دائماً في القلب). هذا أمر طبيعي. وباختصار انا أؤمن بانه لا الدين ولا الزعيم هما الحل، ولكن نضال الجماهير هو الحل.

4) وأخيراً اعتذر اذا كانت التلقيمة طويلة. هذه طريقة كتابتي. وانا لم اعتد على الكتابة المختصرة. كما اعتذر على صغر البنط، لا زالت اكتشف كيفية التعامل مع المدونة فنياً.

1) بين اليأس وتجدد الأمل
لم تكف الاقلام ووسائل الاعلام في الفترة الأخيرة عن وصف مسألة دخول البرادعي للمشهد السياسي في مصر باعتباره تجدداً للأمل لدى قطاعات كبيرة في التغيير. فقد وصف الدكتور سعد الدين ابراهيم مثلاً هذا الظهور بأنه عودة للسياسة في مصر في عدة مقالات بالمصري اليوم منذ عدة شهور. ومؤخراً قال ان الحراك السياسي الذي حدث يمكن ان يمثل حركة اجتماعية جديدة. وكتب كثيرون عن دلالة الاستقبال شبه الشعبي للبرادعي في مطار القاهرة. وفي تعبير بليغ قالت الكاتبة والمدونة نوارة نجم في مقال لها بالدستور ” انا كنت وطنت نفسي على اليأس وارتحت.” والمعنى ان ظهور البرادعي باعتباره مرشح جاد وقوي للرئاسة يعتبر اضافة او تجدد لمعركة التغيير في مصر، التي اعتبرها كثيرين ماتت منذ عام 2006. وكتب المدون والصحفي عمر الهادي مدونة بعنوان معبر هو ” البرادعي ..على مقاس الأمل.” وبالاضافة الى هذه الأصوات، بالغ البعض في حديث الأمل. فقد وصل الأمر باحد الكتاب في جريدة الدستور مثلاً لأن يقول ان الامطار التى هطلت بغزارة في مصر يوم 25 فبراير كانت صوت السماء لتأييد البرادعي، صوت التغيير.
وقيل ايضاً ان احد مسببات هذا الأمل ان البرادعي شخص له مصداقية دولية ويزيد من ذلك انه رفض ان ينضم الى الأحزاب القائمة ليرشح نفسه، مما يشير الى انه يريد انتخابات حقيقية ولن يرضي ان يدخل انتخابات ككومبارس.
والحدث عن الأمل واليأس في التغيير السياسيى ليس مجرد حديث عاطفي أو على مستوى المعنويات فقط، لكنه في منتهي الأهمية. فالكلام عن فقدان الثقة في التغيير أو عودة الأمل او عدم الخوف مرتبط بقدرة الشعب على التضحية وخوض معركة الحرية. وكلما زادت الثقة والأمل كلما زادت اعداد المشاركين في معركة التغيير. أحياناً يميل البعض لتلخيص موضوع عدم مشاركة الناس في السياسة بقضية الخوف من بطش الأمن أو الانشغال بلقمة العيش. لكن الأمل واليأس هى مسألة مهمة ايضاً يترتب عليها مشاركة الناس واستعدادهم للمخاطرة من أجل التغيير. كما ان مسائل الخوف ولقمة العيش لا تدور في فراغ. تجدد الأمل يمكن ان يدفع كثيرين لاعادة النظر في كثير من الأمور، وأهمها مشاركتهم في عراك السياسة. كما ان الحفاظ على لقمة العيش يكون في كثير من الأحيان دافع للمشاركة والاحتجاج وليس الخوف. وهناك الوف الأمثلة على ذلك، ويكفي ان نتذكر هنا الاضرابات العمالية الأخيرة. وعلى كل من يتحدثون عن الأمل في التغيير ان يتواصلوا مع عمال مصر وهم الوقود والضمان لأي تغيير حقيقي. صحيح لقد حذر كثيرين من الاحباط الذي يمكن ان يسببه أي فشل لمعركة التغيير المقبلة. الضمان الحقيقي لعدم الفشل ان تكون المعركة معركة الكثيرين وليست معركة النخبة.

2) “نضال” الفضائيات والفيس بوك أم نضال الشارع؟

ربما تكون مصطلح “نضال” الفيس بوك والفضائيات من أكثر المصطلحات شيوعاً الأن منذ عام 2005. ومنذ ذلك الوقت فأن كثيرين من النشطاء قد صورواً الأمر على ان مسألة الحديث في الفضائيات و”النضال الفيسبوئي” ليس سوي استبدال لحركة الشارع. ومؤخراً تسائل بعض البلوجرز عن البرادعي متهكماً “هو ناوي يقضيها فضائيات؟” حيث ان البرادعي لم يقم بعمل اي لقاء جماهيري في خلال الأسبوع الذي قضاه في مصر مؤخراً ( حيث لم يقابل سوى رموز من النخبة وانتهي الأمر بتأسيس اللجنة الوطنية للتغيير). وانا اعتقد ان هذه الانتقادات وجيهة. لكن يجب ان ننظر نظرة سياقية لموضوع نضال الشارع. فمن ناحية المبدأ اي نضال لا يرتبط بالناس ويقوده الناس هو نضال نخبة. لكن يجب ألا نفصل بين الشارع والفيس بوك فصلاً ميكانيكياً. فمن الممكن نظرياً ان تبدأ حركة ما بدعوة على الانترنيت. وهذا لا يعيب الحركة. وعلى سبيل المثال فأن وصول اعضاء مجموعة البرادعي بالفيس بوك الى اكثر من 100 الف شخص هو أمر لافت للنظر وليس رمزياً. يمكننا ان نتسائل كم من هؤلاء لديه الاستعداد للتضحية والعمل في معركة التغيير؟ لكننا لا يمكننا انكار القوة الرمزية لهذا الرقم.
صحيح ان البرادعي وبعض افراد الجمعية الوطنية للتغيير تحدثوا عن أهمية مشاركة الناس. قال البرادعي انه لن يستطيع عمل شىء بدون مشاركة الناس. كما تحدث بعض افراد الجمعية الوطنية في اجتماعها الأول في منزل البرادعي عن أهمية الاحتجاجات الشعبية ( كتب في الصحف ان من تزعموا هذا الرأي كانوا المستشار الخضيري وجورج اسحق). وقال البرادعي ان هذا يمكن ان يأتي في مرحلة لاحقة. وقال مؤخراً في حديثه لوكالة الاسوشيتد برس انه يحذر النظام من انتفاضة شعبية. ان مشاركة الناس تختلف عن قيادة الناس للتغيير. ولدي الخضيري وجورج اسحق وكل من شاركهم الرأي في اهمية الاحتجاجات الشعبية كل الحق في ان يكون التغيير منزوعاً وليس استجداءاً أو منحة من حاكم جائر. كما ان طرح البرادعي لمسالة التوكيلات الالكترونية مفيد لكنه لن يكون بديلاً عن الاحتجاجات. وكلامه عن خوفه من انتفاضة شعبية يثير القلق. الرجل بالطبع متسق مع نفسه كليبرالي. وبينما يريد اليسار وكثير من المخلصين تغيير يقوده الجماهير، كثير من الليبراليين يرددون بعبع الانتفاضة الشعبية لترهيب النظام. ( ولنتذكر ان بعض رموز النخبة وخاصة الليبراليين يتشاركون مع النظام في احتقار الجماهير والتى لا يرونها سوى اصوات). ولا نريد ان نستبق الاحداث، لكن المعضلة الآنية هي كيفية استفادة النشطاء من الأمل الذي جلبه البرادعي معه، لكي يكون التغيير عملاً يقوده جماهير مصر الفقيرة. فطاقة التغيير والرغبة فيه اكبر من ان تختصر في ايقونة اسمها البرادعي. والقضية الأهم هنا انه حتى ولو بدأت حركة التغيير الجديدة ( 2010-2011) بأيقونة البرادعي من المهم ان تتجاوز هذه الأيقونة لتكون حركة شعبية حقيقية. ومع تقديري لرأي بعض الأصدقاء في ان مشروع البرادعي يقوم على استعادة الشعب لدوره، فالمحك هنا هو في الممارسة. رأيي الشخصي هو انه حتى الأن فأن البرادعي هو رمز الحركة البازغة ( وقائدها الذي فرضته الظروف)، لكن يجب ان تنقلب المعادلة ليكون الشعب هو القائد الحقيقي ( ولو اختار الشعب البرادعي رمزاً).

3) علاقات البرادعي الخارجية تحسب له أم عليه؟
هذه احد النقاط التي اثيرت قبيل عودة البرادعي كانت هي وجوده في الخارج. وقيل ان كونه وجهاً معروفاً دولياً هو شىء مفيد لحركة التغيير بوصفها رصيداً له في المعركة. والصورة المبتذلة لوجهة النظر هذه هي فكرة المرشح المستورد. لكن هذه الفكرة لم تتردد بقوة سوى في الاعلام الحكومي. والرد البسيط على هذا هو ان “الوطنية” ليست حكراً على الداخل. كما أن حكام “الداخل” باعوا البلد وهم أهم حلفاء أمريكا واسرائيل في المنطقة. وفكرة ان الرجل كان بعيداً عن أرض الوطن تجعله بعيداً عن فهم هموم الشعب وتفاصيل معاناته ربما تكون كلام حق يراد به باطل. مرة اخري هل يفهم مبارك وزبانيته معاناة الشعب وهم ” اللي طابقين على نفسنا لأكثر من ربع قرن؟!!” والموضوع ليس كلام ولكن تعالوا نرى احصائيات الفقر والبطالة ونسأل الناس؟
نعود لموضوع علاقات البرادعي الخارجية. أصحاب وجهة النظر الأولي يرون باختصار إن “الراجل جاي وجايب في ديله اهتمام دولي.” كما ان هذا الوضع يجعله ـ في حالة انتخابه رئيساًً ـ شخصاً له وزنه في العلاقات الاقليمية والدولية، ربما يعيد بعض من هيبة مصر ومكانتها التي فقدت في السنوات الأخيرة. والمكانة الدولية ليس فقط معناها اهتمام اعلامي وحكومي دولي، ولكن هذه الوضعية أيضاً تُصعب مهمة النظام في التنكيل به، وهو سلوك مآلوف مع معارضي النظام، خاصة واذا زادت خطورتهم مع النظام.لكن في مقابل وجهة النظر الأولى، هناك وجهة نظر أخرى تقول بأن علاقات البرادعي الدولية هي أمر غير مريح. البعض يتشكك في ان العلاقات الخارجية للبرادعي ربما لا تعني في نهاية المطاف سوى وجود توافق دولي أو ( حتى مؤامرة) دولية لجعله الرئيس القادم في مصر. كما طرح البعض ان طبيعة عمله كرئيس لهيئة الطاقة النووية لم تخرج عن كونه ضامناً للتفوق النووي الامريكي والاسرائيلي بحكم الطبيعة المحدودة والشكلية المقيدة لعمل هذه الهيئة ( التى لا تمثل ربما سوى وكالة خاصة بالأمم المتحدة وخاصة مجلس الأمن).
اعتقد ان موضوع العلاقات الخارجية للبرادعي ورائه عدة نقاط هامة تفوق في أهميتها النظرة الشكلية لهذا الموضوع.
المسألة الأولى هي قانونية. فحتى لو افترضنا جدلاً وجود مؤامرة دولية لوجود البرادعي في مصر، علينا ان نتذكر ان المحك الأساسي في العلاقات الدولية مع مصر هو علاقات النظام مع الولايات المتحدة واسرائيل. والسبب في ذلك هو علاقة التبعية بين النظام المصري والامبريالية الأمريكية وخدماته الجليلة للنظام الصهيوني. والواقع هو انه لا البرادعي ولا غير البرادعي يمكنهم التخلص من كل اتفاقيات التطبيع والخيانة مع العدو الصهيوني من الناحية القانونية باراداة منفردة، بوصفها التزامات قانونية تورطت في الانظمة المصرية السابقة. الطريقة الأساسية للتخلص منها هو وجود استفتاء شعبي بالتخلص منها. أي انه من وجهة النظر الديمقراطية البرجوازية الشكلية على الشعب المصري ان يتخلص من هذه الاتفاقيات أن يضمن انتخاب رئيس له يحترم ارادة الشعب في هذا السياق ( وبصفة عامة).
المسألة الثانية هي سياسية. وهي معضلة التدخل الخارجي في مسألة التغيير في مصر. البعض يرى ان أي علاقات “طيبة” مع الغرب لمرشح ما في الانتخابات المصرية ربما لا تعني سوى مباركة الغرب لهذا المرشح. ويرتبط بهذا التخوف فكرة أن يكون التغيير بضغوط غربية. ولهؤلاء كل الحق في التخوف. وفي مقابل هؤلاء البعض يقول ـ ولو على استحياء ـ مرحباً بالتغيير ولو بمباركة الغرب. والفكرة هنا اننا امام معضلة ان هناك من بين النخبة المصرية من يراهن على الضغوط الخارجية أو المباركة الخارجية للتغيير في مصر أو لمرشح ما. لكن هناك من بيننا ما هو واضح في ان العامل الحاسم هو الضغوط والمقاومة الشعبية وليس الخارجية. صحيح ان البرادعي كانت وظيفته على حد تعبير البعض هي ضمان التفوق النووي لامريكا واسرائيل باعتبار الوظيفة المحافظة لوكالة الطاقة النووية. بالطبع يعرف الجميع مدي ارتباط النظام الحالي بالامبريالية الأمريكية. ونعرف عدم مبدأية امريكا فيما يتعلق بموضوع الديمقراطية في مصر (و في غير مصر). على الأقل وفي اللحظة الراهنة، قضيتنا الأن هنا هي كيفية اجبار البرادعي وحركة التغيير القادمة على ان يكون لها موقف واضح واكثر راديكالية من الامبريالية والصهيونية. هناك فارق السماء والأرض بين التغيير الذي يقوم به الشعب والتغيير الذي تباركه امريكا ( لا نريد ثورة برتقالية ولا بنفسجي ولكن نريد انتفاضة تطالب بالديمقراطية، “بالعافية وضد امريكا ومش معاها” ـ على حد تعبير الصديق الباحث الاشتراكي محمد واكد).

4) هل يلدغ المؤمن من جحر الى الأبد؟
كل هيصة البرادعي حتى الأن ليست سوى تكراراً لفكرة قديمة وخطأ تاريخي، مفاده انتظار المخلص والقائد الفرد. لقد عبر عن هذا الرأي أكثر من بلوجرز يساري. القائد الفرد يلغي الجماهير ويريد ان يقوم على اكتافها. هل يمكن ان نلدغ مرة اخرى بفكرة المخلص الفرد. وعلى سبيل المثال فأن اشتراكيات العالم الثالث، ومنها “اشتراكية” ناصر، كانت بقرار فوقي ونسبت زوراً وبهتاناً للناس. بالطبع البرادعي لم يطرح نفسه كمرشح الفقراء ولم يقل سوى بعض الكلام العام عن العدالة الاجتماعية. (هو مرشح لليبرالية السياسية ويرى الليبرالية السياسية مفتاحاً لكل مشكلات مصر). لكن القياس مع هذه التجارب الاشتراكية القديمة قياس مفيد. فكما فشلت هذه ” الاشتراكيات” سوف يفشل أي تغيير يقوده فرد. هذا سوف يكون بداية للفساد. كما أن هذا التغيير لن يستمر طويلاً. هذا النقاش في منتهي الأهمية. والمسالة الأن تتركز في موضوع التغيير والتعديلات الدستورية والانتخابات الحرة ـ كما سيلي ـ لكن باختصار لا تقل طريقة الحصول على التغيير عن مضمونه. التغيير الذي يقوده الشعب وينتزعه عن طريق احتجاجاته واضراباته يختلف عن التغيير الذي يتفضل به الحاكم لأي لجنة وطنية. ولن تحقق اللجان أي شىء طالما لم تكن شعبية بالأساس.

5) الأحزاب والأخوان والبرادعي
تحدث كثيرون عن موقف الأخوان من قضية ظهور البرادعي. وقد كان سعد الكتاتني رئيس الكتلة البرلمانية للأخوان في الاجتماع التأسيسى للجمعية الوطنية للتغيير. ولا يمكن استباق الأمر لاستنتاج هل يعني هذا موقف رسمي للاخوان المسلمين بالانضمام لمعركة تغيير يقودها البرادعي أم لا؟ والمعروف عن الأخوان انهم يميلون للعمل المنفرد وتحكمهم قواعد براجماتية مع النظام ( بالرغم من تقديرنا للتضحيات الأمنية التي تقوم بها هذه الجماعة). بالطبع فأن موقف وموقع الأخوان من أي تحركات مستقبلية للجمعية الوطنية للتغيير هو مسألة مهمة بالنظر للثقل السياسي والجماهيري لهذه الجماعة. وفي مقابل الأخوان المسلمين كان من اللافت للنظر غياب بعض الأحزاب السياسية “الشرعية” ( التجمع والوفد والناصري) عن اجتماع اللجنة الوطنية لافت للنظر. والمفارقة ان هذه الاحزاب اعلنت انها ضد دعوة البرادعي لمؤتمر ستعقده عن الاصلاح الدستوري. يتناسى هؤلاء انهم عقدوا عشرات المؤتمرات عن الاصلاح الدستوري من قبل، ودخلوا في حوارات مع النظام الحاكم عشرات المرات. ونلمح تناقض كبير في تصريحاتهم الأخيرة. فمرة قالوا انهم ضد التعاون مع البرادعي بوصفه مرشح مستورد. ومرة اخرى قالوا انهم ضد التنسيق مع البرادعي لأنه يعلن استعداده للتعاون مع جماعة الأخوان المسلمين ( لأنها تدعو الى دولة دينية). وكأن “العلمانية” الانتهازية لنظام افضل على قلوب هؤلاء من التعاون مع أهم فصيل معارض في مصر ـ على الأقل من حيث الحجم!! لا يوجد تعليق لهذه الأحزاب ” الشرعية” سوى ان ( يبلو ويشربوا ماء شرعيتهم). فالشرعية القانونية لا قيمة لها بدون الشرعية السياسية وتأييد الشارع. كما ان الوقت ليس وقت مؤتمرات دستورية نخبوية ولكن وقت خلق وتوحيد حركة شعبية تقود التغيير.

6) ما هو موقف الجيش والشرطة من ترشيح البرادعي؟

كثيرون من النشطاء قالوا ان من أهم مميزات البرادعي انه مرشح مدني حقيقي. هو ليس كجمال مبارك، الذي بالرغم من انه مدني شكلياً إلا انه لا يمثل سوى بقاء لنظام مبارك والطبقة الحاكمة الفاسدة الحالية. كل ماكتب من قبل كان يشير الى ان الجيش المصري ليس سعيد بخيار مبارك الأبن. كل المؤشرات تقول ان الشرطة المصرية عندها ولاء كبير لأل مبارك. مسألة الجيش والشرطة تحتاج لنقاش كبير. لكن بدون تبسيط مخل اعتقد ان معظم النقاش التى تختصر مسألة التغيير في مساندة الجيش أو الولايات المتحدة هي نقاشات مختزلة لأنها تنفي رغبة الناس وحركتها من معادلة التغيير.

7) المقارنة مع أوباما والخوميني مفيدة

اشار بعض النشطاء والمدونين الى جدوى مقارنة البرادعي بقصة فوز اوباما في الانتخابات الرئاسية الأمريكية. وأشاروا الى فائدة مقارنة البرادعي ايضاً بعودة اية الله الخومينى الى ايران. وحتى ولو كان هناك بعض التعسف في هذه المقارنات لاختلاف الخصوصيات التاريخية والسياسية، اعتقد ان المقارنتان مفيدتان جداً. وهناك اوجه شبه كثيرة بين ظهور البرادعي في مصر وقصة صعود اوباما. فأوباما بالرغم من انه كان عضواً لمجلس الشيوخ وعضواً في الحزب الديمقراطي لكنه كان وجهاً غير مألوفاً للمواطن العادي الأمريكي. لم يكن متورطاً في فضائح أو قضايا فساد واشنطن، الي غير ذلك من العوامل التي ميزته وقادته الى البيت الأبيض. لكن القضية الأهم التى نراها مفيدة في مقارنة البرادعي بأوباما هي استفادة اوباما من نقم الناخب الأمريكي على بوش. كما نعلم جميعاً كيف سخر اوباما نزوع الأمريكيين للتغيير لتجديد دماء الحزب الديمقراطي. كما سخرت الطبقة الحاكمة الأمريكية تغيير اوباما لصالحها لأنه لا يهدد مصالح الشركات الرأسمالية الكبرى والامبريالية الأمريكية. باختصار فان التغيير الذي اراده البعض أكثر جذرياً اختزله اوباما والطبقة الحاكمة الأمريكية في تغيير انتخابي بجلب شخص مختلف للبيت الأبيض. ومع فارق المقارنة يدرك الكثيرين في مصر ان مجرد التخلص من النظام الديكتاتوري لمبارك ونظام الطوارىء يعتبر انتصار كبير. لكن من المهم ان يعي كثيرين ان طموحات وأمال المصريين تتجاوز بكثير تغير رئيس ديكتاتور بأخر منتخب.
اما عن المقارنة الخوميني، فهي ايضاً مفيدة. وكلنا نعلم ان الثورة الايرانية التي بدأت عمالية سُرقت من قبل ايات الله. وقد كان الخوميني رمز للثورة الاسلامية، لكن الثورة التى كانت عمالية وجماهيرية تم استبدالها بثورة دينية. وجاء الرمز وايات الله ليحتكروا صوت الثورة. والمعادلة في حالتنا معكوسة. فهناك حركة بازغة ولها رمز. كما ان هناك نخبة وشعب يريدون التغيير. الأمل ان لا تختزل الحركة البازغة في رمزها. يجب ان يكون البطل هو العمال والفقراء وليس البرادعي والنخبة.

8)هل التغيير الدستوري هو سقف حركة التغيير؟
كانت احد النقاشات الهامة التي دارت بين كثير من النشطاء والبلوجرز على تويتر هي ما هو سقف حركة التغيير مع البرادعي. وقد قال النشطاء على تويتر مثلاً ان تعديل الدستور بما يسمح بوجود مرشح رئاسي مستقل هو هدف محدود للحركة.
ويذكر انه قد اشير في الاجتماع الأول للجمعية الوطنية من أجل التغيير الى انه ليس هذا هو الوقت المناسب لتسمية مرشح رئاسي ( من المعروف انه قد تم انتخاب البرادعي رئيساً للجمعية وتم اختيار الدكتور حسن نافعة مقرر لها). وقد جاء على لسان المستشار الخضيري في الاجتماع الأول للجمعية انه تعديل الدستور لا يكفي بدون ضمان وجود انتخابات حرة نزيهة وحقيقية باشراف قضائي كامل على الانتخابات. ومع اتفاقنا مع هذا الكلام نقول انه اذا تحدثنا عن تحقيق تغييير بحد أدني ( في اطار من الديمقراطية البرجوازية) يجب ان نتذكر إن تغيير الدستور واجراء انتخابات حرة والتخلص من نظام مبارك كلها اهداف مترابطة. ويذكر انه بتاريخ 26 فبراير الماضي كتب المستشار طارق البشري مقالة بجريدة الشروق، كان من ابرز ما فيها هو ان تعديل الدستور او تسمية مرشح رئاسي هي اهداف جزئية. الأكثر أهمية هو تغيير الظروف الشاملة التى ستقود الى عمل دستور حقيقي مثل ضرورة الغاء الطوارىء والافراج عن المعتقلين وضمان حرية التظاهر والاعتصام السلمي. وحذرنا المستشار البشري من الاكتفاء بمطلب تعديل الدستور، وخاصة من ان النظام الحاكم يمكنه الالتفاف على هذا المطلب بعمل تعديلات تفصيل كما حدث في عام 2005 يستفيد منها النظام. وفي اثناء كتابة هذه السطور لم يكن البيان الأول للجمعية الوطنية قد صدر بعد. لكن الدكتور حسن نافعة اعطى تلميحات صحفية الى ان البيان سوف يشتمل على هذه المطالب كلها.
وفي تعليقه على المستشار البشري قال الصديق المناضل الاشتراكي وائل خليل “مشكلة البشري ومقاله انه يرى الامور بشكل ميكانيكي- نبدأ بتغيير الأوضاع ثم نعدل الدستور ثم نختار رئيسا- الأمور لا تسير هكذا دائماً.” واعتقد ان تحذيرات المستشار البشري وجيهة. كما ان كلام الصديق وائل وجيه جداً. ومن الناحية النظرية لا يوجد ما يمنع من ان يكون تعديل الدستور جزء من النضال المجتمعي الذي يشمل تغيير الأوضاع المقيدة للحرية ايضاً. القضية الأساسية هي ان يكون التغيير عملية نضال مجتمعية حقيقية وليست حصيلة اجتماعات للنخبة (فهذا التغيير يمكن ان يتحايل عليه النظام).

9) ما العمل؟
سؤال ما العمل هو السؤال المطلوب. كثير من النشطاء كتبوا عن قصور فكرة التوكيلات المكتوبة. (واحنا عارفين لعبة النظام، الذي اعطى تعليمات لموظفي الشهر العقاري بعدم تسجيل توكيلات للبرادعي). وطرح البرادعي فكرة وجود توكيلات الكترونية. كما ظهر مؤخراً على الفيس بوك صورة من توكيل غير رسمي لاعضاء من اللجنة الوطنية للتغيير ( صورة التوكيل في مدونة جبهة التهييس الشعبية لنوارة نجم وتعليق لها عليه). وأدرك ان هناك خلاف كبير بين كل الحالمين بالتغيير في مصر حول حدود وسقف هذا التغيير ( هناك من يريدون انتخابات حرة والسلام وهناك من يريدون وانا منهم عدالة اجتماعية). وسؤال ما العمل يرتبط بالسؤال حول ماذا يريد كل منا في التغيير. ولست في موقع يمكنني من اقتراح أفكار أو وسائل عملية للنشاط. ولكن هناك أمور أساسية اريد ان أشير اليها:
- يبدو ان النشاط الحقيقي للتغيير في المرحلة المقبلة سوف يتمحور حول البرادعي واللجنة الوطنية للتغيير. ويعتبر من الغباء السياسي تجاهل هذه الحقيقية، وتجاهل الأمل الذى احدثه الرجل. ( وللاحزاب الحلوة مؤتمرهم الدستوري يشبعوا بيه).
- مع كل تقديري لموضوع التوكيلات ـ الكترونية وغير رسمية ـ من المهم ان تكون كل هذه الأمور بداية لتعبئة جماهيرية. والموضوع ليس بارقام واعداد التوكيلات ولكن في ان تتحول رمزية هذه الاعداد الى أجساد لها صوت مسموع في “المعركة” المقبلة.
- التوكيلات والاحتجاجات الشعبية لا يمكن ان ينفصلاً عن بعضهما البعض. وكلما زادت اصوات الناس احتشاداً كلما زادت قوتها في فرض التغيير.
- من الأهمية الشديدة ان تتواصل اللجنة الوطنية مع عمال مصر في كل نشاطاتها.

اذا حاولت تلخيص الموقف الحالي من وجهة نظري في صورة ايجابيات ودواعي للقلق، سوف تكون المحصلة كالتالي:
اهم الايجابيات الموجودة بظهور البرادعي:
1) الراجل جاب الأمل معاه.
2) يبدو ان الراجل عنده ” مصداقية” وهو غير ملوث بفساد الطبقة الحاكمة الحالية.
3) الراجل رفض ان يكون جزء من مسرحية الانتخابات في ظل الدستور الحالي، برفضه ان ينضم لأحد الأحزاب الحالية. وقال ان معركته هي تعديل الدستور وعمل اصلاح حقيقي قبل التفكير في الانتخابات. ظهوره واستمراره في الحديث عن معوقات الترشيح احراج للنظام. وحتى ولو تم تعديل الدستور، هو وغيره لن يقبلون بالتزوير.
4) تأسيس اللجنة الوطنية للتغيير شىء ايجابي.

بعض دواعي القلق:
1) غير واضح حتى الأن مفهوم الالتحام بالشارع او مشاركة الناس في معركة التغيير المطروحة. (والمحك هو التحام اللجنة الوطنية بالناس وان يأتي التغيير بمعركة حرية تقودها الجماهير وليست نخبة يقودها البرادعي ).
2) الراجل سقفه الليبرالية السياسية ( والاقتصاد تابع لليبرالية السياسية، “والحدق يفهم”)
3) فكرة المخلص الفرد تسبب سلبية الناس.

One comment to أنا وانت والبرادعي والتغيير: تلقيمة جديدة

  1. انا ارى ان هذه الفرصه الأخيره للغيير معا ولأبد من التمسك بها وهوامر ضرورى وحتمى جدا والله خير الموفقين

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s